1 hour ago
  • ما قبل الحمل
** *ما أجمل الرضي بالقضاء والقدر* ‏*ابني الوحيد… المتوحد.* ‏كنت أظن أن بعض الأمنيات إذا تأخرت، فإنها تتأخر لأنها لم تُكتب لنا. ‏حتى علّمني الله أن بعضها يتأخر… لأنه سيأتي في الوقت الذي يغيّر حياتنا كلها. ‏تزوجت في سن مبكرة، ورزقني الله البنات، فكنت أحمده في كل مرة، وأرى في كل بنت نعمة لا تعادلها نعمة. ومع ذلك، كان في قلبي دعاء لا يفارقني، دعاء يعرفه أكثر الآباء، لكنه يبقى بين العبد وربه: ‏اللهم ارزقني ولدًا. ‏ومضت الأيام… ‏ثم استجاب الله الدعاء. ‏جاء ابني الوحيد. ‏لا أستطيع أن أصف تلك اللحظة، إلا أنني شعرت أن البيت اكتمل، وأن الله وضع آخر قطعة في لوحة أسرتي، وأن قلبي صار يحمل مسؤولية جديدة، وحبًا جديدًا، وحلمًا جديدًا. ‏كان عامه الأول طبيعيًا بكل ما تعنيه الكلمة. ‏يضحك فنضحك. ‏ويبكي فنسرع إليه. ‏ويتعثر فنفرح بمحاولاته الصغيرة، كما يفرح كل الآباء. ‏ثم دخل عامه الثاني… ‏ولا أدري كيف يمكن لعمر إنسان أن يتغير بسبب تفاصيل لا تكاد تُرى. ‏بدأت ألاحظ رفرفةً متكررة بيديه. ‏أمورًا صغيرة لا يلتفت إليها كثير من الناس، لكنها كانت تُوقظ في قلبي أسئلة لا تنام. ‏كنت أقول: سيكبر، وستختفي. ‏ثم أقول: لعلها مرحلة عابرة. ‏ثم أعود فأقنع نفسي بما أريد، لا بما أرى. ‏إلى أن جاء اليوم الذي سمعت فيه الكلمة التي لم أكن أظن أنني سأسمعها يومًا: ‏“ابنك… لديه توحد.” ‏لا أذكر ماذا قال الطبيب بعد ذلك. ‏ولا أذكر كم استغرقت الزيارة. ‏لكنني أذكر أن الطريق إلى المنزل كان أطول طريق قطعته في حياتي. ‏جلست داخل سيارتي بعد أن أغلقت الباب. ‏ولأول مرة… ‏شعرت أن الدنيا كلها صامتة. ‏لم أبكِ اعتراضًا على قضاء الله. ‏وحاشا لله. ‏لكنني بكيت لأنني كنت أبًا يخاف على ابنه، ولا يعرف كيف سيكون الغد. ‏ثم رفعت رأسي، وقلت كلمة واحدة… ‏الحمد لله. ‏ولم تكن كلمة خرجت من لساني… ‏بل كانت بداية حياة جديدة. ‏منذ ذلك اليوم، تغيرت أشياء كثيرة. ‏لم أعد أفرح بما كان يفرحني من قبل. ‏وصرت أحتفل بتفاصيل قد لا يراها غيري. ‏خطوة يتقدمها. ‏نظرة يلتفت بها. ‏ابتسامة تأتي في وقتها. ‏تطور صغير لا يلاحظه الناس… ‏كان عندي عيدًا كاملًا. ‏كنت أظن أنني سأربي ابني. ‏ثم اكتشفت، عامًا بعد عام، أن الله كان يربي الأب من خلال ابنه. ‏علمني ابني أن الصبر ليس أن تنتظر النهاية… ‏بل أن تحسن السير في الطريق. ‏وعلمني أن الرحمة ليست شعورًا… ‏بل أسلوب حياة. ‏وعلمني أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، فبعض القلوب تتحدث بالصمت أكثر مما تتحدث بالكلام. ‏مرت الأيام… ‏ثم الشهور… ‏ثم السنوات… ‏واليوم… ‏بلغ ابني السابعة عشرة من عمره. ‏سبعة عشر عامًا، لم أشعر فيها يومًا أن الله ظلمني. ‏بل أشعر كل يوم أن الله اختارني لرحلة لم أكن لأختارها لنفسي، لكنها صنعت مني إنسانًا أفضل مما كنت. ‏لقد كنت قبلها أنظر إلى الحياة بعيني… ‏وأصبحت بعدها أنظر إليها بقلبي. ‏صرت أرحم الناس أكثر. ‏وأعذرهم أكثر. ‏وأدعو لهم أكثر. ‏وفهمت أن كثيرًا من الأقدار لا تأتي لتأخذ منا شيئًا… ‏بل تأتي لتعطينا شيئًا أعظم، لكن بعد أن تغيّر قلوبنا أولًا. ‏واليوم… ‏إذا سألني أحد عن ابني الوحيد المتوحد… ‏فلن أحدثه عن تشخيص، ولا عن تقارير، ولا عن سنوات العلاج. ‏سأحدثه عن نعمة. ‏نعم… ‏نعمة. ‏لأن هذا الابن لم يعلمني كيف أكون أبًا فحسب… ‏بل علمني كيف أكون عبدًا راضيًا. ‏ولو عاد بي العمر إلى الوراء… ‏وقيل لي: ‏ستعيش القصة نفسها بكل تفاصيلها… ‏وبكل تعبها… ‏وبكل دموعها… ‏هل تقبل؟ ‏لقلت دون تردد: ‏الحمد لله الذي اختار لي، فما كان الله ليختار لعبده إلا ما هو خير، وإن خفي الخير عن عينيه زمنًا. ‏أما ابني… ‏فلا أرجو له من الدنيا أكثر من أن يحفظه الله، وأن يكتب له من رحمته ما يغنيه عن رحمة الناس. ‏وأما أنا… ‏فإذا وقفت يومًا بين يدي الله، وسألني عن أعظم نعمة ساقها إليَّ، فلعلني سأبتسم… ‏وأشير إلى ذلك الابن. ‏فالناس ظنوا أنني كنت أربيه… ‏والحقيقة… ‏أن الله رزقني ابنًا… ‏فربّى به قلبي.

1 تعليقات

العضوة: 2341981 , 59 minutes ago

رضا جميل وقصة اجمل الحمدلله